السيد كمال الحيدري
379
اللباب في تفسير الكتاب
الارتفاع والصعود إلى الأعلى ، تارة يكون مكانياً كما لو صعد الإنسان على مرتفع من الأرض مثلًا ، وأخرى يكون معنوياً كما في قوله في حقّ إدريس عليه السلام ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ) ( مريم : 57 ) إذ ليس المراد هو الارتفاع المكاني بل ارتفاع مكانته عند الله تعالى ، ولازم ذلك هو السفر والحركة المعنوية من هذه النشأة ، متوجّهاً إلى المقصد الذي هو القرب الإلهى ولقاء الربّ تعالى : ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ( الكهف : 110 ) بطىّ المنازل الملكية والملكوتية والجبروتية واللاهوتية . ومبدأ هذا السفر في قوس الصعود إنّما هو هذه النشأة المادّية . لذا قال أهل المعرفة إنّ السفر الأول إنّما هو من الخلق إلى الحقّ ، وفى هذا السفر يغادر الإنسان عالم المادّة والطبيعة ، عاقداً العزم على الهجرة إلى الله : ( وَمَنْ يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ( النساء : 100 ) إنها رحلة الخلاص من بيت الدنيا والأنانية والشهوات إلى عالم الحقّ والاندكاك فيه ، فيكون وليّاً ، وعندئذ تحصل اليقظة من عالم النوم والسبات ، والإبصار من عالم العمى ، والالتفات من عالم الغفلة ، والتذكّر من عالم النسيان . إنها رحلة من المتناهى إلى اللامتناهى . وهذه هي رحلة العود الخالد من أرض الغربة إلى الوطن الأصلي ، وبهذه الرحلة يحصل الموت الاختياري ( يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ) وهو الموت الذي أشار الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وندب إليه بقوله : « موتوا قبل أن تموتوا » « 1 » فطوبى من أمات نفسه وله حسن مآب . وإذا بلغ السالك هذا المقام بحيث تخلّص من أناه وصار وجوده حقانيّاً ، ولم يعد يرى في الوجود سوى الله تعالى ، فاحتجبت الكثرة عنه بالوحدة ،
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 72 ، ص 59 .